الصفحة الرئيسية

 

الــــوصــــف

أنسام ربيع تتسامى على دروب الوداد, فاح عبيرها بصدر الوادي , أرشدت الحيارى في الآماد , رقصت في ربيع الفؤاد , غنتها القلوب أشعاراً عذبة وأنشدتها حنايا الأجساد, أشعار وصف تتجلى بحسن حين تخطها الأيادي , أشعار تخرج من الباب الذي ولجه الكثيرون فصاغوا فيه أروع القصائد , وقد مر هذا الشعر بمراحل وعصور شتى ومنها العصر العباسي الذي ازدهر فيه حتى غمر قلوب الشعراء فسطروا أجمل العبارات بأبيات السحر والإبداع , وهذا الباب يؤدي إلى مسالك عديدة منها وصف الطبيعة الغناء التي ألفت فيها قصائد رائعة.وقد ألمّ العباسين بالوصف من كافة جهاته فعاشوا في طبيعته الجميلة ،فعمد كلّ منهم إلى اختيار الصفات الملائمة للوزن والإيقاع ليعطي ذلك روحاً لأبياتهم ،وقد اتجه كل شاعر إلى وصف يلائم نظرته للحياة ،فمنهم من عني بوصف الطبيعة بشقيها الساكن والمتحرك ،والقسم الآخر أحب وصف الآثار البائدة القصور وتحميلها مشاعرهم ونظرتهم للحياة.

والوصف من الفنون الأدبية التي حافظت على رواجها وتطورت في العصر العباسي فقد شمل الطبيعة المطبوعة والطبيعية المصنوعة .. ولهذا اهتم الشعراء بالرياض والقصور، والبرك، والأنهار، والجبال، والطيور، والمعارك، ومجالس اللهو، وغير ذلك.
في العصر العباسي تطورت المعاني الشعرية عمقاً وكثافة ودقة في التصوير، فجاءت شاملة للحقائق الإنسانية وقد انصرف الشعراء عن المعاني القديمة إلى معان جديدة، يساعد على ذلك ما كسبه العقل العباسي من الفلسفة وعلم الكلام والمنطق وما وصلوا إليه من أساليب فنية قوامها المحسنات اللفظية والمعنوية.

أحبّ الشعراء الطبيعة في العصر العباسي  ،فانعكست فيها المؤثرات الداخلية لنفس الشاعر ،وبذلك لم تعد طبيعة عادية بل غدت مظاهرها وملامحها وكأنها الحالة الداخلية للشاعر ،كقول ابن الرومي يصف الشمس الغاربة التي تعبر عن نفسه المتشائمة:

 وقد رنّقت شمس الأصيل ونفضت           على الأفق الغربي ورساً مزعزعا

 وودعت الدنيا لتقضي نحبهــــــــا           وشوّل باقي عمرها فتشعشعــــــا

ويتابع الشاعر المشهد قائلاً هاهي الأزهار الصغيرة قد حزنت لفراق الشمس وتضرعت كـي لا تغادر:

ولاحظت النوار وهي مريضـــــــة            وقد وضعت خداً إلى الأرض أضرعا                               

فإذا اتجهنا إلى من وصف الطبيعة المتحركة وجدنا أنها كانت وسيلة للتعبير عن خبايا النفس وما تشعر به،ويصادفنا وصف أبي تمام للطائر والحب الذي انعقد بينه وبين القمرية :

غنّى فشاقـــــك طائر غرّيـد                     لمّا تــرّنّم والغــصـون تمــيد

ساقٌ على ساق دعا قمرية                     فدعت تقاسمه الهوى وتصيد

فالشاعر يصف تراقص الأغصان من تغريد الطائر وانجذاب القمرية لصوته ومن ثم انعقاد الهوى فيما بينهما.

ومن وصف الحيوانات وصف المتنبي زئير الأسد:

-وردٌ إذا ورد البحيرة شارباً                    ورد الفرات زئيره والنيلا

  ومن تلك المسالك التحدث عن الآثار التي صاغوها وصوروها وكأنها ماثلة أمامنا ومن المبدعين في هذا المجال البحتري الذي نفذ إلى موضوع جديد هو الحديث عن آثار الفرس الممثلة بإيوان كسرى على نحو ما هو معروف في قصيدته السينية التي تعد من روائع الشعر العباسي وفيها يصور الشاعر أطلال قصر الجر ماز التي لا تزال ماثلة في جنوب بغداد وكان قد زارها بعد مقتل الخليفة المتوكل فبكى همومه وأشجانه فيقول :

أتسلى عن الحظوظ وآسى               لمحل من آل ساسا ن درس

فكأن الجر ماز من عدم الأنـ              س وإخــــــلاله بنية رمس

فنحن نشعر من خلال الأبيات السابقة بأن الشاعر قد حلق في سماء الفن حيث قدم لوصف الإيوان وإعجابه بعظمته وجماله وقد امتازت هذه القصيدة بروعة الفن والقدرة على تصوير المشاهد تصويراً نقلياً من خلال صورة أنطا كية إذ نظر إليها بعيني خياله وهذا مظهر من مظاهر الواقعية في وصف البحتري فقد قال في وصفها:

وإذا رأيت صورة أنطا كية        ارتعـــت بيــــن روم وفــــــــــرس

والمنايا مواثل وأنــــو شر       وان يزجي الصفوف تحت الدرفس

فلقد كانت النقوش على ذلك الجدار دقيقة لشدة أنها وصفت معركة بكاملها كانت قد جرت على أرض الفرس فبدأ بوصف عام لطرفي العراك بين الفرس والروم ثم ينحدر إلى وصف أحد ملامحها الخاصة فإذا هو العلم الذي يظلل أنوشروان قائد الفرس يرفرف في سماء المعركة وقد تطرق الشعراء إلى تصوير القصور والأبنية التي شيدت على أرضنا العربية فيصور الشاعر عبد الجبار بن أبي بكر الصقلي قصر المنصور ببجاية بقوله:

قصر لو أنك كحلت بنــــــوره        أعمى لعاد من الضياء بصيرا

أذكرتنا الفردوس حين أريتنا        غرفاً رفعت بناؤها وقصـــورا

ولشدة جمال هذا القصر فقد وصفه بالفردوس فقد كان قصراً شامخاً ذو نسيم عليل كأنما اشتق نسيمه من الجنان فيقول:

واشتق من نفس الجنان نسيمه    فيكاد يحدث بالعظام نشورا

ثم انتقل الشاعر العباسي إلى وصف المدن والحضارة العربية فيصف الشاعر ابن سفر المر يني الأندلس بقوله:

في أرض أندلس تلتذ نعـــماء              ولا تفارق فيها القلـــب سراء

أنهارها فضة والمسك تربتها              والخز روضتها والدر حصباء

كما اتجه الشعراء إلى وصف الأشياء والأدوات التي سادت في عصرهم فأكثروا من وصفها حتى لم يكادوا يتركوا شيئاً مما رأوه إلا ووصفوه وصوروه أجمل تصوير وهاهو شاعرنا محمود بن أحمد الأصفهاني يصف القلم قائلاً:

أخرس ينبيك بإطــراقـــــه           عن كل ما شئت من الأمر

يذرف على قرطاسه دمعة            يبدي بها السر وما يذري

ومن خلال هذه الأبيات نستنتج براعة الشاعر وقدرته على وصف الأشياء فهو يشبه القلم بإنسان أخرس ينقل إلينا ما شئنا من الأخبار أما شاعرنا ابن الرومي فقد وصف القلم بطريقة أخرى فصور شجاعته حتى أن الموت يكاد يهاب منه ومن بأسه فيقول:

إن يخدم القلم السيف الذي خضعت     له الرقاب ودانت خوفه الأمــم

فالموت - والموت لا شئ يغالبه -      ما زال يتبع ما يجري به القلم

ومن الشعراء الذين برعوا في الوصف أبو بكر الأرجاني الذي صور الشمعة أصدق تصوير حيث قال :

نمت بأسرار ليل كان يخفيهـــا        وأطلعت قلبها للناس من فيها

غريقة في دموع وهي تحرقها      أنفاســــها بدوام من تلظــيهـــــا

صفر غلائلها حمر عمائمهـــا        سود ذوائبها بيض لياليهـــــــا

وإذا عدنا إلى أدب المواجهة الحربية تواجهنا أروع الصور في وصف المعارك والتي تدعا الملحمة (الحماسة) وهي تطلق على المعركة  مأخوذة من التلاحم الذي هو اشتباك بين جيشين متقابلين و اعتمدها العرب للتعبير عن الشعر الذي يقال في وصف المعارك الحربية، ونتائجها ولعل من أهم المعارك وأشهرها على المستوى الأدبي تلك المعركة التي شهدها الشاعر أبو تمام إلى جانب الخليفة المعتصم الذي لم يتوانى عن نصرة المرأة الهاشمية التي استنجدت به بعد غزو الروم لمدينة زبطرة مسقط رأس المعتصم.

قصد المعتصم عمورية – منشأ الأسرة الرومية المالكة –لتحريرها وحاول المنجمون ثنيه بدعوى تعذر فتحها قبل نضج التين والعنب ،فقال أبو تمام:

السيف أصدق أن أنباءً من الكتب            في حده الحد بين الجد واللــعـــــب

 بيض الصفائح لا سود الصحائف            في متونهنّ جلاء الشكّ والريـــــــب               

ولقد انتصر المعتصم على الروم انتصاراً رائعاً ولقد خلد هذا النصر من شدة جماله حيث جعل المعتصم ليل الروم نهار من شدة اللهب فوصف أبو تمام المعركة قائلاً :

فتح الفتوح ، تعالى أن يحيط به             نظمٌ من الشعر ، أو نثر من الخطب

فتح ،تفتح أبواب السماء لــــــه              وتبرز الأرض في أثوابها القشـــب 

يا يوم وقعة عمورية انصرفــت              عنك المنى حفلاً معسولة الحـلــــب

وإن ما ورد في القصيدة كان صادقاً لأن أبو تمام كان قد شهد أحداث المعركة منذ بدايتها وحتى النهاية وقد اعجب بهذه المعركة وبالمعتصم وشجاعته لذلك وصف هذه المعركة وهو مفتخرٌ بها .   

ولا ننسى الحدث الحمراء تلك المعركة التي تحدث عنها المتنبي مطولا وهو يصف شجاعة سيف الدولة الحمداني.

وهذه القصيدة تتكون من ستة وأربعين بيتاً. وتعد هذه القصيدة من أعظم قصائد المتنبي التي قالها وهو بحضرة سيف الدولة، حيث تطرق فيها إلى ماهية الرجال القادة، وكيف استطاع سيف الدولة بناء هذه القلعة رغم ما يحيط به من أعداء، ووصف جيش الروم وما كان عليه من عدة وعتاد وهو مقبل نحو الحدث، ثم تطرق إلى ما حدث في المعركة وكيف كان موقف سيف الدولة وهو في وسط المعركة.. والمعروف أن المتنبي كان بجانب سيف الدولة وهو يخوض هذه المعركة.. بدأ أبو الطيب قصيدته هذه بالأبيات الآتية التي تعد من أعظم الأبيات الشعرية التي وردت في أشعار العرب قاطبة، حيث قال:

على قدر أهل العزم تأتي العزائم                      

وتأتي على قدر الكرام المكارم

وتعظم في عين الصغير صغارها

وتصغر في عين العظيم العظائم

وعندما أحاط الرومان بهذا الثغر ونهض سيف الدولة للدفاع عنه، نهضت الكلمة جنباً إلى جنب مع السيف، واختلط صوت الطعنات بإيقاع الكلمات. وبعد هذين البيتين تطرق أبو الطيب إلى وصف سيف الدولة وما هو عليه من همة فقال:

 يكلف سيف الدولة الجيش همه            وقد عجزت عنه الجيوش الخضارم

 ويطلب عند الناس ما عند نفسه          وذلك ما لا تدعــيـــه الضراغـــــــم

وتطرق أبو الطيب في قصيدته أيضاً إلى ما حدث وسيف الدولة منشغل في بناء قلعة الحدث فقال:

هل الحدث الحمراء تعرف لونها

وتعلم أي الساقيين الغمائم

سقتها الغمام الغر قبل نزوله

فلما دنا منها سقتها الجماجم

بناها فأعلى والقنا تقرع القنا

وموج المنايا حولها متلاطم

وكان بها مثل الجنون فأصبحت

ومن جثث القتلى عليها تمائم

طريدة دهر ساقها فرددتها

على الدين بالخطيّ والدهر راغم

 

إنّ باب الوصف باب شديد الاتساع إذا ما أردنا الحديث عنه فلن تسعفنا الكلمات ، لأنّ الشاعر كان يصور كل ما يشاهده أو يتأثر به ، فنجده تارة يقدم لنا صورة فوتوغرافية عما يرى ،وتارة أخرى يعكس إحساسه الداخلي من خلال وصفه،وتارة يتخذ من الوصف  وثيقة تاريخية لأحداث مهمة و و و و.....

 

إلى الأعلى